چاويار نيوز – كتب الصحفي الكوردي العراقي صلاح حسن بابان، في مقال نُشر اليوم الأحد، في الشبكة العراقية للصحافة الاستقصائية ”نيريج”، أنه: في خضم التحولات السياسية في الملف السوري، بعد انهيار نظام بشار الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، وتسنم أحمد الشرع، زعيم هيئة تحرير الشام والمعروف بأبو محمد الجولاني، للحكم في سوريا، تبلور واقع جديد، وضع الكورد في سوريا وقضيتهم ومطالبهم القومية أمام خيارات محدودة وبرؤية جديدة فرضتها معادلات القوة والتوازن في المنطقة.
الوقائع التي حملتها عملية تغيير السلطة في سوريا، والمدفوعة بإرادات دولية وإقليمية ضمن مسار غامض التوجهات، وضعت الكورد في مواجهة واقع سياسي وأمني جديد، يجبر أحزابه وقواه بمختلف متبنياتها على إعادة النظر في حساباتها وتخفيض سقف طموحها فيما يتعلق بإقامة فيدرالية كوردية أو إدارة ذاتية واسعة الصلاحيات. وهو واقع يثير مخاوف في الجانب الآخر من الحدود وتحديداً العراقي الكوردي حيث يتمتع الكورد بحكم فيدرالي متأرجح الصلاحيات.
ماذا ينتظر الكورد في سوريا؟
في كانون الثاني/يناير 2026 ومع بدء الجيش العربي السوري عملية عسكرية واسعة بمشاركة 40 ألف مقاتل للسيطرة على حيي الأشرفية والشيخ مقصود ذو الغالبية الكوردية بمدينة حلب، دخلت القضية الكوردية في سوريا في مسار جديد حمل معه سيناريوهات أمنية وسياسية واجتماعية بالغة التعقيد والخطورة.
بعد نحو أسبوع من القتال، الذي أسفر عن مقتل مئات الأشخاص وتشريد عشرات آلاف المدنيين الكورد، والتمثيل بجثث بعض القتلى، انسحب ما بقي من مقاتلين كورد من الحيين لتنتهي بذلك قصة السيطرة الكوردية على منطقة مهمة في حلب والتي دامت نحو 13 سنة.
على وقع ذلك الانسحاب الكوردي، تقدمت القوات السورية إلى مناطق شرقي حلب (غربي الفرات) للسيطرة عليها، مدعومة بـ 60 ألف مقاتل وأسلحة ثقيلة بما فيها الدبابات والمدرعات والمسيرات التركية، حسب مصادر كوردية، ولم تتوقف عند ذلك بل تقدمت سريعاً نحو شرقي الفرات وسيطرت على كامل المناطق ذات الأغلبية السكانية العربية في محافظتي دير الزور والرقة، بعد انسحاب كوردي فرضته اتفاقات أمنية عاجلة مع الحكومة السورية بحضور الولايات المتحدة.
ومع ذلك التقدم كرر أفراد في الفصائل السورية، التي في أغلبها تمثل أجنحة مسلحة لقوى متشددة مثل هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً) والحمزات والعمشات الممولة من تركيا، انتهاكاتها. ووثقت جهات حقوقية عشرات عمليات القتل والاختفاء، إلى جانب عمليات سرقة واسعة طالت بيوت مئات الكورد في الرقة ودير الزور، إلى جانب نهب بيوت 60 قرية كوردية في حدود ريف مدينة كوباني. فيما تحدثت مصادر حكومية سورية عن قيام مقاتلين كورد بعمليات قتل خارج القانون.
خلال أيام تفككت قوات سوريا الديمقراطية، فالمقاتلون العرب في صفوفها والذين كانت تقدر نسبتهم بنحو 60%، سلم غالبيتها الساحقة أسلحتهم وأعلنوا ولاءهم للسلطة الجديدة، فيما تراجع المقاتلون الكورد إلى المناطق ذات الغالبية الكوردية في محافظة الحسكة، وتمترسوا للدفاع عنها، وأفشلوا طوال نحو أسبوع كل محاولات الجيش السوري في اقتحامها، قبل أن تتمكن ضغوط ووساطات دولية من وقف القتال وبدء مسار التفاوض.
مع معركة صعبة الحسم للطرفين، وفي ظل مظاهرات كوردية في مختلف دول العالم وتحذيرات غربية من التقدم نحو المدن الكوردية بما ستحمله من كلفة بشرية وسياسية وتداعيات محتملة، جلس ممثلو قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية الكوردية على طاولة المفاوضات مع الحكومة السورية، وبعد سلسلة جولات عقدت في دمشق وأربيل وبحضور قوي من زعامات الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وقع الطرفان اتفاقاً في 30 كانون الثاني/يناير 2026 برعاية أمريكية قادها المبعوث توم باراك وبدعم فرنسي.
الاتفاق الذي يعترف بالوجود الكوردي وبحقوقهم، ويفترض أن يحمل السلام ويوقف نهائياً نزيف الدماء، يحمل في الوقت عينه تفاصيل “غير سارة” للكورد، فهو سيحولهم من قوة مستقلة فاعلة إلى قوة صغيرة تابعة داخل السلطة السورية، كما أنه سينهي نموذج الإدارة الذاتية شبه المستقلة الذي تشكل في 2012، نحو إدارة بصلاحيات أقل بكثير خاصة من الناحيتين الأمنية والاقتصادية.
أبعاد الاتفاقية.. حقوق دون ضمانات
تضمن اتفاقية 30 كانون الثاني/يناير 2026 وما سبقها من مراسيم جمهورية أصدرها الرئيس السوري أحمد الشرع، ضم قوات الأسايش الكوردية إلى وزارة الداخلية السورية، وبقاء قوات سوريا الديمقراطية في مناطقها بالحسكة وكوباني على أن تكون ضمن ألوية تتبع وزارة الدفاع السورية، إلى جانب الحفاظ على الخصوصية الإدارية والثقافية للمناطق الكوردية، واعتماد اللغة الكوردية لغةً رسميةً في التعليم من المدرسة إلى الجامعة.
هذه هي المرة الأولى منذ تأسيس الدولة السورية بعد الحرب العالمية الأولى التي تعترف فيها دمشق بالمكون الكوردي ولغتهم، والأولى منذ عام 1946 التي تُبرم فيها الدولة السورية اتفاقية مع ممثلي الكورد، وتُدرج عبارة “المناطق الكوردية” في وثيقة موقعة، ما عده باحثون مكتسبات حققتها الاتفاقية.
لكن في الجانب الآخر، وبالنظر لإنهيار مشروع الإدارة الكوردية الذاتية واسعة الصلاحيات، وبأخذ الأبعاد الإقليمية والدولية والمواقف المُقدمة من الدول المؤثرة في الشأن السوري، تطرح أسئلة كثيرة عن ضمانات تطبيق الاتفاق، في ظل علاقة قلقة تربط الكورد مع الولايات المتحدة، ومع ما يصفه كثيرون بالتخلي الأمريكي عن حليف موثوق لصالح جماعات إسلامية متشددة كانت طوال عقدين مدرجة على لوائح الإرهاب.
في الشارع الكوردي، هناك استياء وغضب من الموقف الأمريكي وهناك قلق كبير من المسار السياسي الجديد المنتهج، خاصة أن الإتفاق يعيد مركزية الدولة والسلطة في سوريا، وهو ما يُظهر بوضوح “تخلي” المجتمع الدولي عن دعم مطالب الكورد لأسباب ومصالح اقتصادية – استثمارية في قطاعات العقارات والنفط والغاز السورية.
ومع غياب تفاصيل آليات تطبيق الاتفاق، من المرجّح أن يعود الجدال قريباً، وهذه المرة حول طبيعة “دمج” قوات سوريا الديمقراطية في تشكيلات الجيش وحضور الحكومة السورية أمنياً في المناطق الكوردية بالحسكة، والذي ربما قد ينتهي بفشل الدمج وعودة المعارك، خاصة أن الشرع ومنذ توليه السلطة في سوريا، تحرك بعقلية أمنية عسكرية لحسم الخلافات مع المكونات السورية وإقصائهم بدل دمجهم، فليس من السهل عليه أن يسمح ببقاء جذور لـ”قسد” وإن كانت بعناوين أخرى داخل أجهزته الأمنية ومؤسساته العسكرية، وفي ظل ضغوط تركية شديدة لإنهاء أي وجود لقسد.
كما أن مخاوف العودة للقتال حاضرة دائماً بوجود مقاتلين من جنسيات ودول عدّة في الجيش السوري، إضافة إلى فصائل لا تأتمر بأوامر دمشق، وهي في بنيتها وعقيدتها لا تستطيع الاستمرار من دون قتال، ويستحيل تغيير سلوكها الذي نشأ على تكفير الآخر ومن ثم تبرير قتله وسرقته، ويصعب عليها وفق تجربة العقدين الماضيين، الانخراط في حياة مدنية طبيعية، كما أنها ترى أن المعركة لم تنته وأن الكورد بمقاتليهم ومقاتلاتهم ما زالوا يملكون القرار في مناطق انتشارهم.
رسالة واشنطن والخذلان الأمريكي
من الواضح أن التطورات في سوريا، تسير بعكس طموحات الأقليات السورية عموماً، وجزء كبير من القوى السنية السياسية التي كانت فاعلة طوال 14 عاماً من الصراع السوري، والتي وجدت نفسها خارج دائرة القرار والتأثير، بعد أن استولت قيادات هيئة تحرير الشام على الدولة، وبدعم أمريكي تركي وتوافق غربي عربي.
الأشهر الماضية حملت رسائل صري