چاويار نيوز – على مدى القرن الماضي، كانت إحدى أكثر الحقائق السياسية مرارة في الشرق الأوسط بالنسبة للشعب الكوردي هي الثقة المتكررة بالقوى الأجنبية، وتكرار دورة من الوعود والاستغلال والتخلي؛ دورة بدأت من معاهدات ما بعد الحرب العالمية الأولى ولا تزال مستمرة حتى التطورات الراهنة في المنطقة.
وفي مراحل تاريخية مختلفة، دخل الكورد مراراً وتكراراً في الألعاب الجيوسياسية للقوى العظمى، على أمل أن يتمكن الدعم الغربي والأمريكي هذه المرة من إرساء الأمن أو الاستقلال أو على الأقل حقوق سياسية أكثر استقراراً لهم؛ لكن التجربة التاريخية تُظهر أنه في المنعطفات الرئيسية، كانت الأولوية دائماً لمصالح القوى العالمية على حساب مصير الكورد.
فمن معاهدة سيفر بعد انهيار الدولة العثمانية، والتي أثارت لأول مرة مسألة إنشاء دولة كوردية، إلى معاهدة لوزان التي دفنت فعلياً ذلك الوعد، خاض الكورد أول تجربة مريرة لهم في الثقة بالقوى العالمية. ففي تلك المرحلة، فضّل الغرب معادلاته مع دول المنطقة دون الاكتراث بتطلعات الكورد.
وتكرر هذا النمط في العقود اللاحقة؛ ففي سبعينيات القرن الماضي، كان دعم الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية للحركة الكوردية في العراق أداة للضغط على بغداد وإدارة التنافسات الإقليمية، أكثر من كونه التزاماً بحقوق الكورد. إلا أنه مع توقيع اتفاقية الجزائر بين شاه إيران وصدام حسين عام 1975، انقطع الدعم فجأة، وتلقت الحركة الكوردية في العراق ضربة قاسية؛ وهو حدث لا يزال محفوراً في الذاكرة السياسية الكوردية كأحد أبرز الأمثلة على “المقايضة بالكورد”.
وفي السنوات اللاحقة، لم يتغير هذا النمط كثيراً. فقد أظهرت الانتفاضة الكوردية بعد حرب الخليج الثانية، والتطورات في سوريا، ومحاربة القوات الكوردية لتنظيم داعش، وحتى التعاون العسكري الواسع مع الولايات المتحدة، أن الغرب سيظل إلى جانب الكورد طالما اقتضت مصالحه الأمنية والعسكرية ذلك. والمثال البارز على ذلك هو الانسحاب الأمريكي المفاجئ من شمال سوريا، وفتح المجال أمام تركيا للقيام بعمليات عسكرية ضد القوات الكوردية؛ وهو الحدث الذي وصفه العديد من المحللين الكورد بأنه “تكرار تاريخي للخيانة”.
والحقيقة هي أن الولايات المتحدة والغرب لطالما نظروا إلى الكورد كـ “أداة ضغط إقليمية” وليس كشريك استراتيجي دائم. فكلما اقتضت موازين القوى ذلك، يزداد الدعم الإعلامي والسياسي وحتى العسكري للكورد، وكلما برزت مصالح إقليمية أوسع، يتم الاستغناء عن القوات الكوردية بكل بساطة.
واليوم أيضاً، ينظر العديد من النخب والمحللين في إقليم كوردستان العراق والمناطق الكوردية في المنطقة بعين الحذر إلى التطورات. فقد عززت تجربة العراق وسوريا، وحتى التطورات الأخيرة في المنطقة، هذه القناعة بأن القوى العظمى تسعى في نهاية المطاف إلى مصالحها الخاصة وليس إلى مصير الشعوب.
ولعل أهم درس تاريخي للكورد في العقود الأخيرة هو أنه ليس هناك قوة أجنبية تتحمل تكلفة دائمة لدعم شعب ما دون ضمان مصالحها الخاصة. لقد أثبت التاريخ أنه في اللحظات الحساسة، شعوب المنطقة هي التي تبقى؛ لا وعود واشنطن، ولا شعارات الغرب، ولا الدعم الإعلامي والعسكري العابر.
No Comment! Be the first one.