چاويار نيوز – بعد قرابة عقد من التعاون الواسع بين الولايات المتحدة الأمريكية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، تظهر مؤشرات متزايدة على تغيير نهج واشنطن تجاه الكورد السوريين؛ وهو تغيير يرى العديد من المراقبين أنه يمثل النهاية التدريجية لتحالف استراتيجي، وبداية مرحلة جديدة في المعادلات الأمنية في شمال وشرق سوريا.
إن قوات سوريا الديمقراطية، التي تحولت على مدى السنوات الماضية، إلى أهم شريك ميداني للولايات المتحدة في محاربة تنظيم داعش الإرهابي، تواجه الآن ظروفاً جعلت المستقبل السياسي والأمني للمناطق الخاضعة لسيطرتها أمام حالة من الغموض الشديد.
عقد من التعاون؛ من محاربة داعش إلى تغير المعادلات
مع بداية الحرب ضد داعش، اعتمدت الولايات المتحدة في جزء كبير من استراتيجيتها في سوريا على التعاون مع القوى الكوردية وقوات سوريا الديمقراطية. وقد مكّن هذا التعاون تشكيلات قسد من أن تصبح أحد أهم اللاعبين الميدانيين في شمال وشرق سوريا، وتسيطر على مساحات واسعة من المناطق المعروفة باسم شرق الفرات.
إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن أولويات الولايات المتحدة في سوريا تتغير. إذ أن المفاوضات والاتفاقيات المبرمة بين واشنطن والحكومة السورية المؤقتة، فضلاً عن مراعاة المخاوف الأمنية التركية، أدت إلى أن يواجه دور ومكانة قسد في معادلات سوريا المستقبلية تحديات خطيرة.
ويرى الكثير من الناشطين والتيارات السياسية الكوردية أن هذا المسار يمثل تكراراً للتجربة التاريخية المتمثلة في تخلي الولايات المتحدة عن حلفائها الكورد؛ وهي تجربة شهدتها منطقة الشرق الأوسط من قبل في محطات تاريخية مختلفة.
الفراغ الأمني؛ أهم التداعيات المحتملة
تعد احتمالية تشكل فراغ أمني في مناطق شمال وشرق سوريا من أهم المخاوف التي أثيرت بشأن تقليص أو إنهاء التعاون بين واشنطن وقسد. فعلى مدى السنوات الماضية، كانت قوات سوريا الديمقراطية تتولى مسؤولية جزء كبير من السيطرة الأمنية في المناطق الواقعة شرق الفرات، وأي إضعاف لهذه القوات قد يمهد الطريق لإعادة تنشيط خلايا داعش النائمة.
وتشير التقارير الميدانية إلى أن فلول داعش لا تزال نشطة في أجزاء من سوريا، وتنتظر الفرصة المناسبة لإعادة بناء شبكاتها. وبناءً على ذلك، فإن أي تراجع في القدرات العملياتية لقسد قد يؤدي إلى زيادة نشاط هذا التنظيم الإرهابي.
قنبلة موقوتة باسم مخيم الهول
يمثل ملف السجون والمخيمات المرتبطة بتنظيم داعش أحد أهم الملفات الأمنية في سوريا. ويُحتجز حالياً الآلاف من عناصر التنظيم وعوائلهم في مخيمات مثل الهول وكذلك في السجون التي تسيطر عليها قسد. ومنذ سنوات، يحذر الخبراء الأمنيون من خطر تحول هذه المراكز إلى بؤر لإعادة إنتاج التطرف.
وفي حال تراجع القدرات الأمنية لقوات سوريا الديمقراطية، ستواجه عملية السيطرة على هذه المراكز صعوبات بالغة. وقد تؤدي عمليات هروب محتملة لسجناء داعش أو انهيار الهيكل الأمني للمخيمات إلى تداعيات تتجاوز حدود سوريا، مما قد يؤثر على أمن العراق وحتى الدول الأخرى في المنطقة.
مخاوف الكورد من عودة داعش
تعتقد شريحة واسعة من التيارات السياسية والإعلامية الكوردية أن تراجع الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية سيمهد الطريق لزيادة الضغوط الأمنية على المناطق ذات الأغلبية الكوردية.
وفي هذا السياق، تحذر بعض الدوائر الكوردية من أن أي فراغ أمني في شرق الفرات قد يؤدي إلى إحياء نشاط خلايا داعش وزيادة الهجمات الإرهابية على المناطق الخاضعة لسيطرة الكورد.
وعلى الرغم من تباين وجهات النظر حول دور اللاعبين الإقليميين في هذه التطورات، إلا أن المؤكد هو أن الكورد السوريين يجدون أنفسهم على أعتاب واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخهم السياسي المعاصر.
مستقبل شرق الفرات؛ السيناريوهات المطروحة
يطرح الخبراء السيناريوهات الرئيسية التالية لمستقبل مناطق شرق الفرات: الاندماج التدريجي لهياكل قسد في المؤسسات الأمنية والعسكرية للدولة السورية، استمرار الوجود الأمريكي المحدود مع تقليص دوره الميداني، تزايد النفوذ التركي وتغيير موازين القوى في شمال سوريا، أو إحياء نشاط خلايا داعش في ظل الفراغ الأمني المحتمل.
ويمكن لكل سيناريو من هذه السيناريوهات أن يكون له تأثيرات مباشرة على أمن سوريا، والعراق، وحتى الحدود الغربية للجمهورية الإسلامية الإيرانية.
الخلاصة
تظهر التطورات الأخيرة أن التحالف القائم منذ عقد من الزمن بين واشنطن وقوات سوريا الديمقراطية قد دخل مرحلة جديدة. ورغم أنه لا يمكن الحديث بعد عن نهاية كاملة لهذا التعاون، إلا أن المؤشرات الحالية تدل على تراجع تدريجي لدور قسد في الاستراتيجية الأمريكية الإقليمية.
وفي ظل هذه الظروف، أصبح مصير مناطق شرق الفرات، ووضع مخيمات داعش، والمستقبل الأمني لشمال سوريا، من أهم الملفات الأمنية في الشرق الأوسط؛ وهو الملف الذي لن تقتصر نتائجه على الكورد السوريين فحسب، بل سينعكس على المنطقة بأسرها.
No Comment! Be the first one.